الغزالي

34

إحياء علوم الدين

ومن ذلك ما روى بعضهم أنه كان عند محتضر ، فمات ليلا . فقال أطفئوا السراج ، فقد حدث للورثة حق في الدهن . وروى سليمان التيمي عن نعيمة العطارة قالت ، كان عمر رضي الله عنه يدفع إلى امرأته طيبا من طيب المسلمين لتبيعه ، فباعتنى طيبا ، فجعلت تقوم وتزيد وتنقص وتكسر بأسنانها ، فتعلق بإصبعها شيء منه ، فقالت به هكذا بإصبعها ، ثم مسحت به خمارها . فدخل عمر رضي الله عنه فقال ، ما هذه الرائحة ؟ فأخبرته ، فقال طيب المسلمين تأخذينه ؟ فانتزع الخمار من رأسها ، وأخذ جرة من الماء ، فجعل يصب على الخمار ، ثم يدلكه في التراب ، ثم يشمه ، ثم يصب الماء ، ثم يدلكه في التراب ويشمه ، حتى لم يبق له ريح . قالت ثم أتيتها مرة أخرى ، فلما وزنت علق منه شيء بإصبعها . فأدخلت أصبعها في فيها ثم مسحت به التراب . فهذا من عمر رضي الله عنه ورع التقوى ، لخوف أداء ذلك إلى غيره وإلا فغسل الخمار ما كان يعيد الطيب إلى المسلمين . ولكن أتلفه عليها زجرا وردعا ، واتقاء من أن يتعدى الأمر إلى غيره . ومن ذلك ما سئل أحمد بن حنبل رحمه الله ، عن رجل يكون في المسجد يحمل مجمرة لبعض السلاطين ، وببخر المسجد بالعود ، فقال ينبغي أن يخرج من المسجد ، فإنه لا ينتفع من العود إلا برائحته . وهذا قد يقارب الحرام . فإن القدر الذي يعبق بثوبه من رائحة الطيب قد يقصد ، وقد يبخل به فلا يدرى أنه يتسامح به أم لا . وسئل أحمد بن حنبل عمن سقطت ورقة فيها أحاديث ، فهل لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها ؟ فقال لا ، بل يستأذن ثم يكتب . وهذا أيضا قد يشك في أن صاحبها هل يرضى به أم لا فما هو في محل الشك والأصل تحريمه ، فهو حرام . وتركه من الدرجة الأولى ومن ذلك التورع عن الزينة ، لأنه يخاف منها أن تدعو إلى غيرها ، وإن كانت الزينة مباحة في نفسها . وقد سئل أحمد بن حنبل عن النعال السبتية ، فقال أما أنا فلا استعملها ولكن إن كان للطين فأرجو ، وأما من أراد الزينة فلا ومن ذلك أن عمر رضي الله عنه لما ولى الخلافة ، كانت له زوجة يحبها فطلقها خيفة أن تشير عليه بشفاعة في باطل ، فيطيعها ويطلب رضاها . وهذا من ترك ما لا بأس به مخافة مما به البأس ، أي مخافة من أن يفضي إليه